أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

123

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

التعظيم في « نَفْعَلَ » و « نَشؤُا » ، وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة والضحاك بن قيس بتاء الخطاب فيهما . وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة الأول بالنون والثاني بالتاء . فمن قرأ بالنون فيهما عطفه على مفعول « نَتْرُكَ » وهو « ما » الموصولة ، والتقدير : أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء ، وهو بخس الكيل والوزن المقدم ذكرهما . و « أَوْ » للتنويع ، أو بمعنى الواو قولان . ولا يجوز عطفه على مفعول « تَأْمُرُكَ » ، لأن المعنى يتغير ، إذ يصير التقدير : أصلواتك تأمرك أن نفعل في أموالنا . ومن قرأ بالتاء فيهما جاز أن يكون معطوفا مفعول « تَأْمُرُكَ » ، وأن يكون معطوفا على مفعول « نَتْرُكَ » ، والتقدير : أصلواتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء أنت أو أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء أنت . ومن قرأ بالنون في الأول ، وبالتاء في الثاني كان « أَنْ نَفْعَلَ » معطوفا على مفعول « تَأْمُرُكَ » فقد صار ذلك ثلاثة أقسام ، قسم : يتعين فيه العطف على « نَتْرُكَ » وقسم : يجوز فيه الأمران ، وهي قراءة التاء فيهما ، والظاهر من حيث المعنى في قراءة التاء فيهما ، أو في تشاء : أن المراد بقولهم ذلك هو إيفاء الكيل والميزان ، لأنه كان يأمرهم بهما . وقال الزمخشري : « المعنى : تأمرك بتكليف « أَنْ نَتْرُكَ » فحذف المضاف ، لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 88 ] قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ( 88 ) قوله : أَ رَأَيْتُمْ . تقدم ذلك غير مرة . وقال الزمخشري - هنا - : « فإن قلت : أين جواب « أَ رَأَيْتُمْ » وما له لم يثبت كما ثبت في قصة نوح وصالح ؟ قلت : جوابه محذوف ، وإنما لم يثبت ، لأن إثباته في القصتين دلّ على مكانه ، ومعنى الكلام ينادي عليه ، والمعنى : أخبروني إن كنت على حجة واضحة ، ويقين من ربي ونبيا على الحقيقة ، أيصح لي ألّا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي ، والأنبياء لا يبعثون إلّا لذلك » . قال الشيخ : « وتسمية هذا جوابا ل « أَ رَأَيْتُمْ » ليس بمصطلح ، بل هذه الجملة التي قدرها المفعول الثاني ل « أَ رَأَيْتُمْ » إذا ضمّنت معنى أخبرني تعدت إلى مفعولين ، والغالب في الثاني أن يكون جملة استفهامية ينعقد منها ومن المفعول الأول في الأصل جملة ابتدائية كقول العرب « أرأيتك زيدا ما صنع » . وقال الحوفي : « وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه ، تقديره : أأعدل عما أنا عليه ؟ » . وقال ابن عطية : « وجواب الشرط الذي في قوله : « إِنْ كُنْتُ » محذوف تقديره : أضل كما ضللتم أو أترك تبليغ الرسالة ونحو هذا مما يليق بهذه المحاجة » . قال الشيخ : « وليس قوله « أضلّ » جوابا للشرط ، لأنه كان مثبتا فلا يمكن أن يكون جوابا ، لأنه لا يترتب على الشرط » ، وإن كان استفهاما حذف منه الهمزة في موضع المفعول الثاني ل « أَ رَأَيْتُمْ » وجواب الشرط محذوف تدل عليه الجملة السابقة مع متعلقها . قوله : أَنْ أُخالِفَكُمْ قال الزمخشري خالفني فلان إلى كذا : إذا قصده وأنت مول عنه ، وخالفني عنه إذا ولّى وأنت قاصده . ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول : خالفني إلى الماء ، يريد أنه ذاهب إليه واردا ، وأنا ذاهب عنه صادرا ، ومنه قوله تعالى : وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ يعني : « أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ، لأستبد بها دونكم » . وهذا الذي ذكره أبو القاسم معنى حسن لطيف ، ولم يتعرض لإعراب مفرداته ، لأن يفهم المعنى يفهم الإعراب ، ولنذكر ما فيه فأقول : يجوز أن يكون